مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
21
تفسير مقتنيات الدرر
قوله تعالى : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 45 إلى 50 ] أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَه ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْه دَلِيلًا ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناه إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً والنَّوْمَ سُباتاً وجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 ) وهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه وأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِه بَلْدَةً مَيْتاً ونُسْقِيَه مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وأَناسِيَّ كَثِيراً ( 49 ) ولَقَدْ صَرَّفْناه بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ( 50 ) الخطاب للنبيّ والمراد به سائر المكلَّفين أي * ( [ أَلَمْ تَرَ ] ) * وتعلم * ( [ إِلى ] ) * فعل * ( [ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ] ) * وتقديره : ألم تر إلى الظلّ كيف مدّه ربّك معنى الظلّ من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وجعله ممدودا لأنّه لا شمس معه كما قيل في ظلّ الجنّة : ممدودا إذ لم يكن معه الشمس . قال أبو عبيدة : والظلّ ما نسخته الشمس وهو بالغداة والفيء ما نسخ الشمس وهو بعد زوال الشمس وسمّي فيئا لأنّه فاء من جهة الشرق إلى جانب الغرب . وقيل : مدّ الظلّ من وقت غروب الشمس إلى وقت طلوعها فيكون الظلّ بالليل لأنّه ظلّ الأرض . * ( [ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَه ساكِناً ] ) * أي مقيما دائما لا يزول ولا ينسخه الشمس يقال : فلان يسكن بلد فلان إذا أقام به وهو مثل قوله : « أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّه عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ » « 1 » في المعنى . وفي هذا إشارة إلى أنّه قادر على تسكين الشمس حتّى يبقى الظلّ ممدودا بخلاف ما يقوله الفلاسفة . واعلم أنّ الظلّ الممدود هو الأمر المتوسّط بين الضوء الخالص وبين الظلمة الخالصة وكذا الكيفيّات الحاصلة داخل السقف وأفنية الجدران وهذه الحالة أطيب الأحوال لأنّ الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحسّ وكذلك الضوء الخالص وهو الكيفيّة الفائضة من الشمس فهي لقوّتها تبهر العين وتفيد السخونة القويّة وهي مؤذية لو دامت فإذن أطيب الأحوال هو الظلّ فهو من النعم العظيمة وإذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم زال ذلك الظلّ ولولا وقوع الشمس على الأجرام لما عرف أنّ للظلّ وجودا وماهيّة ولولا الظلمة لما عرف النور ، فحينئذ ظهر للعقول أنّ الظلّ كيفيّة زائدة على الجسم فلهذا قال سبحانه : * ( [ ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْه دَلِيلًا ] ) * أي خلقنا الظلّ أوّلا بما فيه من المنافع واللذّات ثمّ أطلعنا الشمس فصارت الشمس دليلا على وجود هذه النعمة . * ( [ ثُمَّ قَبَضْناه إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ] ) * أي أزلنا الظلّ لا دفعة واحدة بل يسيرا يسيرا ،
--> ( 1 ) القصص : 71 .